بصفتي باحثاً، أرى أن قضية الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين تتجاوز بكثير مسألة حرية الصحافة، فهي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالحكم الرشيد، وسيادة القانون، واستقرار المجتمعات.
في إفريقيا، ولا سيما في مناطق النزاعات مثل منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد ومنطقة البحيرات العظمى، يتعرض الصحفيون باستمرار للتهديدات والاعتقالات التعسفية، بل يصل الأمر أحياناً إلى الاغتيال. فالصحفيون الذين يحققون في قضايا الفساد، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو أنشطة الجماعات المسلحة، يواجهون مخاطر جسيمة.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن مرتكبي هذه الجرائم لا يُقدَّمون في كثير من الحالات إلى العدالة. وهذا الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات، ويؤدي تدريجياً إلى انتشار الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.
ويجب أن ندرك أيضاً أن حرية الصحافة تُعد أداة أساسية للوقاية من النزاعات. فالصحفي الحر يساهم في كشف الظلم، ومكافحة التضليل الإعلامي، وإيصال أصوات الفئات السكانية الأكثر ضعفاً. إن إسكات صحفي يعني حرمان مجتمع بأكمله من حقه في الحصول على المعلومات.
لذلك، يتعين على الحكومات الإفريقية تجاوز التصريحات والمواقف المبدئية، والعمل على ضمان حماية الصحفيين، وإجراء تحقيقات مستقلة، وضمان مثول المسؤولين عن هذه الجرائم أمام القضاء ومحاسبتهم.
وختاماً، لا يمكن بناء ديمقراطية راسخة، وتعزيز السلام، ومكافحة التطرف، في الوقت الذي يُترك فيه الصحفيون يمارسون مهنتهم في ظل الخوف والتهديد. إن حماية الصحفيين هي أيضاً حماية لحق المواطنين في معرفة الحقيقة.