Connectez-vous S'inscrire
Menu
www.centrerecherche.com
Siège : N'Djamena, Tchad
E-mail : yacoubahmat@aol.com
Ensemble contre les conflits et pour la paix

في لحظات الحروب الكبرى لا تسقط الصواريخ فقط، بل تسقط الأقنعة أيضً

Samedi 2 Mai 2026

لقد فضحت الحرب النخبة السياسية الإسرائيلية كلها دفعة واحدة بينيامين نتنياهو الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الأمن القومي لم يجد معارضة تهاجم مشروع الحرب نفسه، بل وجد معارضة تشاركه اللغة ذاتها، وربما تتفوق عليه أحيانا في خطاب الانتقام..


في لحظات الحروب الكبرى لا تسقط الصواريخ فقط، بل تسقط الأقنعة أيضً

في لحظات الحروب الكبرى لا تسقط الصواريخ فقط، بل تسقط الأقنعة أيضًا.. والحرب الحالية، الممتدة من غزة إلى لبنان ثم إلى إيران، لم تكشف فقط طبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وإنما كشفت التحول العميق الذي أصاب المجتمع السياسي الإسرائيلي نفسه؛ ذلك التحول الذي جعل التطرف ليس مجرد تيار داخل إسرائيل، بل هوية عامة تحكم الدولة والمعارضة والشارع والمؤسسة العسكرية والإعلام معا.

لسنوات طويلة حاولت إسرائيل تسويق نفسها أمام الغرب باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، دولة تعيش فيها تعددية حزبية وصراع سياسي طبيعي بين اليمين واليسار، لكن ما جرى منذ السابع من أكتوبر وحتى التصعيد الحالي مع إيران كشف أن هذه الثنائية القديمة ماتت بالكامل، لم يعد هناك يسار حقيقي داخل إسرائيل، ولم تعد هناك معارضة ترفض الحرب من حيث المبدأ، بل أصبح الصراع كله يدور داخل معسكر واحد: معسكر القوة والعنف والتوسع، مع اختلافات طفيفة حول أساليب الإدارة وتوقيتات التصعيد فقط.

لقد فضحت الحرب النخبة السياسية الإسرائيلية كلها دفعة واحدة بينيامين نتنياهو الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الأمن القومي لم يجد معارضة تهاجم مشروع الحرب نفسه، بل وجد معارضة تشاركه اللغة ذاتها، وربما تتفوق عليه أحيانا في خطاب الانتقام.. شخصيات مثل يائير لابيد ونفتالي بينيت، التي حاول الإعلام الغربي طويلا تقديمها باعتبارها بديلًا أكثر اعتدالا، اصطفت خلف العمليات العسكرية ضد إيران وغزة ولبنان، ورفضت أي دعوات حقيقية لوقف الحرب أو مراجعة العقيدة الأمنية الإسرائيلية. 

وهنا تظهر الحقيقة التي يحاول الغرب تجاهلها: إسرائيل لا تعيش انقساما بين دعاة حرب ودعاة سلام، بل بين نسخ مختلفة من اليمين القومي المتشدد، حتى الأحزاب التي كانت تصنف يومًا ضمن الوسط أو اليسار الصهيوني تحولت مع الوقت إلى تيارات أكثر عدوانية، خوفا من خسارة الشارع الإسرائيلي الذي انجرف بصورة غير مسبوقة نحو التطرف بعد السابع من أكتوبر.

فالشارع الإسرائيلي نفسه لم يعد كما كان، المجتمع الذي كان يشهد سابقا احتجاجات حول قضايا التسوية أو الانسحاب من الأراضي المحتلة بات اليوم أكثر ميلا لفكرة الحرب المفتوحة، الخوف، والشعور بالحصار، والخطاب الأمني المتضخم، صنعت بيئة نفسية واجتماعية ترى أن القوة العسكرية هي الحل الوحيد، وأن أي حديث عن تهدئة أو تسوية يُعتبر ضعفا أو خيانة، لهذا لم يعد السياسي الإسرائيلي ينافس خصمه على برامج اقتصادية أو اجتماعية، بل ينافسه على من يبدو أكثر قسوة وحسمًا في إدارة المعارك.

الحرب مع إيران تحديدا كشفت هذا التحول بصورة فجة، المعارضة الإسرائيلية لم تطالب بوقف التصعيد رغم المخاطر الاقتصادية والأمنية الهائلة، بل دخلت في مزايدة مع نتنياهو حول ضرورة توجيه ضربات أوسع وأكثر عمقا، السبب هنا ليس أمنيا فقط، بل انتخابي أيضًا، فالمعارضة تعرف أن الناخب الإسرائيلي الحالي يعاقب أي سياسي يبدو مترددا في استخدام القوة، ولهذا تحولت الحرب إلى سوق انتخابية ضخمة، وأصبحت الدماء جزءًا من الدعاية السياسية الداخلية.

الأخطر أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها باتت اللاعب الأكثر تأثيرًا في تشكيل المزاج السياسي، الجنرالات السابقون الذين يدخلون السياسة لا يحملون مشروعًا مختلفا، بل ينقلون عقلية المؤسسة الأمنية إلى المجال الحزبي، وهكذا اختفى الفارق بين العسكري والسياسي، وتحولت إسرائيل إلى دولة تحكمها عقيدة أمنية واحدة مهما تغيرت الحكومات.

هذه الحقيقة تفسر لماذا لم يعد الحديث عن المعارضة في إسرائيل يحمل المعنى التقليدي المعروف في الديمقراطيات، المعارضة هناك لا تعارض الحرب، بل تعارض فقط طريقة إدارتها. تعارض نتنياهو لأنه فشل في تحقيق نصر كامل، أو لأنه أضر بصورة إسرائيل الدولية، أو لأنه أطال أمد المعركة دون حسم نهائي، لكنها لا تعارض منطق الحرب نفسه، ولا ترفض فكرة استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين أو الإيرانيين أو اللبنانيين.

بل إن بعض رموز المعارضة الإسرائيلية باتوا أكثر تطرفا من نتنياهو نفسه في بعض الملفات، لأنهم يدركون أن الشارع الإسرائيلي يتحرك بسرعة نحو اليمين المتطرف، وأن أي مساحة للخطاب الليبرالي التقليدي أصبحت عبئًا انتخابيًا لا مكسبا سياسيا، وهكذا تحولت إسرائيل تدريجيا إلى مجتمع يعيش حالة تطرف جماعي، لا مجرد حكومة متطرفة.

أخطر ما كشفته الحرب ليس فقط حجم الدمار في غزة أو التصعيد مع إيران، بل الحقيقة العارية التي ظهرت أمام العالم: إسرائيل اليوم ليست دولة تبحث عن السلام وتخوض الحرب اضطرارا، بل دولة أعادت تشكيل نفسها سياسيا ونفسيا حول فكرة الحرب ذاتها، حتى أصبحت الحرب جزءًا من هويتها الداخلية، وأصبح التطرف هو اللغة المشتركة بين جميع نخبتها السياسية مهما اختلفت الشعارات والأحزاب.

البوابة نيوز | محمد الطماوي