قبل أشهر قليلة حدث هجوم كبير على مالي من طرف تحالف المتمردين في الشمال بمختلف مسمياتهم وكانت ضربة كبيرة هزت كيان الدولة وكادت أن تسقط النظام العسكري لولا التدخل الروسي، وقد سقط في العملية وزير الدفاع الذي يعتبر بمثابة الرجل الثاني في النظام.
بعد فترة قصيرة فقط تكرر الحدث في النيجر المجاورة في وضع شبيه ولكنه هذه المرة من داخل الجيش نفسه وليس تمردا من الخارج مثلما حصل في مالي، وقد عاشت نيامي ساعات صعبة قبل الإعلان عن فشل الانقلاب.
وفي بوركينا فاسو سمعنا عن محاولات عدة للانقلاب يتم إفشالها من طرف النظام وهذه المحاولات المتكررة تؤكد فشل الأنظمة الانقلابية السيطرة على الوضع الأمني في بلدانها، فضلا عن الفشل الاقتصادي الناتج عن العزلة والحصار بعد الإنقلابات المتتابعة في هذه البلدان.
تعاني هذه البلدان من الفقر والتخلف وبمقارنتها ببلدان في القارة الأفريقية نفسها تأتي في ذيل القائمة في التنمية وتعاني من عدة إشكاليات مزمنة مثل انتشار الإرهاب والتطرف والفقر والتصحر والجفاف بالإضافة إلى الإنقلابات المتكررة التي زادت الطينة بلة.
من أخطر المشاكل أيضا التي بدت تطل برأسها في الاونة الأخيرة تفكك النسيج الاجتماعي في بلدان عرفت سابقا بالتسامح والتعايش بين الأعراق المختلفة، وهذه مشكلة مستجدة بدت تضاف إلى المشاكل المزمنة.
إذ بدأت تنتشر الكراهية لبعض الإثنيات التي تسكن في المناطق الشمالية والتي ظهرت منها حركات متمردة، وبدت صفحات كثيرة تهاجم إرث مجموعات معينة وتتهمها بالعمالة للخارج والتامر ضد بلدانها وتشكك في وطنيتها.
لاحظنا في السابق الهجوم على العرب والطوارق في مالي بعد أن تمت مهاجمة عدة مدن من المتمردين، وهجوم إبراهيم تراوري على إرث العرب واستدعاء تاريخ العبودية، وفي النيجر سمعنا عن تهديدات لنزع الجنسية من بعض المجموعات العربية التي هاجرت من تشاد، وينسب تصريح إلى رئيس النيجر عبد الرحمن تشاني يهاجم فيه عثمان دانفوديو ويصفه بالغازي في هجوم مبطن على الفلاتة.
بدأت صفحات كثيرة تهاجم إرث الفلاتة وتتهم عثمان دانفوديو بالتعسف واحتلال إمارات الهوسا ومحاربتها باسم الدين، وهذه ظاهرة غريبة على مجتمع الهوسا المشهور بالتسامح والمسالمة.
عموما أصبحت الهشاشة الأمنية والسياسية في هذه البلدان يضاف إليها الوضع الاقتصادي المتدهور نتيجة حصار هذه النظم يؤدي إلى مشاكل مختلفة ويعمق ضعف وتفكك المجتمعات نفسها ويؤثر على تماسكها الاجتماعي.
كانت هذه البلدان تعتمد اعتمادا كبيرا على دعم المؤسسات والدول الغربية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، ويشمل دعمها تقديم خدمات أخرى في مجال التنمية وليس الكفاح الأمني وحده.
تتابعت هذه الانقلابات بحجة مكافحة الإرهاب واستقلال البلدان عن فرنسا التي اتهموها باستغلال ثروات بلدانهم واتهموا الرؤساء المدنيين بالعمالة لفرنسا وخيانة بلدانهم وهي النغمة التي دغدقت مشاعر الشعوب الإفريقية وجعلتها تصدق القصة.
لكن الواقع الحالي كشف أن العسكر فشلوا أكثر من المدنيين في عزل بلدانهم عن المجتمع الدولي وسوء إدارتها وأصبحوا يعتمدون كليا على الحماية الروسية ليس من الإرهاب فقط بل حتى في حماية أنظمتهم التي عجزت في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية وبدأت تعزف على وتر الاتهامات للخارج والتشبث بنظرية المؤامرة وصولا إلى تهديد النسيج الاجتماعي لبلدانها، وهذا أخطر أنواع الفشل في إدارة الدول!

