الخميس 5 نوفمبر 2026
بقلم: الدكتور أحمد يعقوب دابيو
خبير في إدارة النزاعات
رئيس مركز الدراسات من أجل للتنمية والوقاية من التطرف
yacoubahmat0@gmail.com
تكشف الهزيمة الانتخابية للمعسكر الجمهوري عن درس سياسي بالغ الأهمية. فقد أثبتت الولايات المتحدة أن شريحة واسعة من الناخبين الأمريكيين لم تعد ترغب في انخراط بلادها في حروب خارجية مكلفة ودامية. ويبدو أن الحرب ضد إيران قد ساهمت في هذا الرفض الانتخابي، بما يعكس تحولاً في توجهات الرأي العام الأمريكي إزاء النزاعات الدولية.
إن المرحلة التي كانت فيها الحروب في العراق وأفغانستان، وكذلك الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تؤدي إلى التفاف واسع للأمريكيين حول قياداتهم، يبدو أنها بدأت تنقضي تدريجياً. فالمجتمع الأمريكي أصبح اليوم أكثر انفتاحاً على واقع عالم كان ينظر إليه في السابق، إلى حد كبير، من منظور مصالحه الاستراتيجية الخاصة. كما بات أكثر اهتماماً بالتداعيات الإنسانية والاقتصادية والسياسية للتدخلات العسكرية في الخارج.
ولا بد من الإشارة إلى أمر بالغ الدلالة، وهو أن الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس قد أقرا، كلٌّ على طريقته، بفوز الديمقراطيين، واعترفا بأن الحرب ضد إيران كانت من بين الأسباب الرئيسية للتراجع الانتخابي للجمهوريين. وينبغي الاعتراف لهما بقدر من الصراحة والشجاعة السياسية في تحمّل مسؤولية هذه الحقيقة علناً، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة إقرارهما بهزيمة سياسية شاملة لمعسكرهما.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن تنظر طهران إلى هذا الفوز الديمقراطي باعتباره انتصاراً استراتيجياً لإيران على الولايات المتحدة. ففي الملف النووي، لا يزال الأمريكيون متفقين إلى حد كبير حول هدف مشترك، يتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي. لكن الخلافات تظهر أساساً بشأن الوسائل التي ينبغي اعتمادها لتحقيق هذا الهدف. فهناك من يفضلون الضغط العسكري وفرض العقوبات، بينما يرى آخرون أن الدبلوماسية والمفاوضات توفران آفاقاً أفضل للتوصل إلى تسوية.
لذلك، يتعين على إيران أن تأخذ تهديدات دونالد ترامب على محمل الجد، وأن تستغل هذه المرحلة للبحث عن مخرج دبلوماسي ذي مصداقية. ويقع على عاتقها اتخاذ مبادرات مقنعة بما يكفي لطمأنة المجتمع الدولي بشأن طبيعة برنامجها النووي، والمساهمة في تهيئة الظروف اللازمة لخفض التصعيد.
وفي حال تعذر ذلك، فقد يبرز لدى بعض التيارات في طهران إغراء امتلاك السلاح النووي لوضع العالم أمام أمر واقع، على غرار ما فعلته كوريا الشمالية. غير أن مثل هذا الخيار ينطوي على مخاطر جسيمة، وقد يؤدي إلى إطلاق سباق جديد للتسلح في المنطقة.
وإلى حين رؤية الأسد الجريح وهو يستعيد عافيته وينهض من جديد، يتعين على إيران أن تستفيد من هذه المرحلة من التعافي السياسي الأمريكي، وأن تعمل على تهيئة جميع الظروف اللازمة للخروج من الأزمة عبر تسوية مقنعة ومستدامة.
ففوز الديمقراطيين في الانتخابات لا يعني نهاية المواجهة بين واشنطن وطهران، لكنه قد يتيح فرصة لإعادة التفكير في الوسائل الكفيلة بالخروج من صراع تجاوزت تداعياته حدود البلدين بكثير.
وفي نهاية المطاف، فإن المنتصر الحقيقي هو من يستطيع تحويل هذه الفرصة السياسية إلى أفق للسلام الدائم في المنطقة والعالم.

